جلال الدين السيوطي
191
الإتقان في علوم القرآن
أسلوب واحد ؛ لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون مستمرّا على نمط واحد ، لما فيه من التكلّف ، ولما في الطبع من الملل ، ولأنّ الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد ، فلهذا وردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع ، وبعضها غير متماثل . فصل « 1 » [ الأحكام التي وقعت في آخر الآي مراعاة للمناسبة ] ألّف الشيخ شمس الدين بن الصائغ كتابا سمّاه « إحكام الرأي في أحكام الآي » قال فيه : اعلم أنّ المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية ، يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول . قال : وقد تتبّعت الأحكام التي وقعت في آخر الآي مراعاة للمناسبة فعثرت منها على نيّف عن الأربعين حكما . أحدها : تقديم المعمول : إمّا على العامل : نحو : أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ [ سبأ : 40 ] ، قيل : ومنه : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] ، أو على معمول آخر أصله التقديم ، نحو : لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ( 23 ) [ طه : 23 ] إذا أعربنا الْكُبْرى مفعول ( نري ) . أو على الفاعل ، نحو : وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( 41 ) [ القمر : 41 ] ، ومنه تقديم خبر كان على اسمها ، نحو : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) [ الإخلاص : 4 ] . الثاني : تقديم ما هو متأخر في الزمان : نحو : فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ( 25 ) [ النجم : 25 ] ، ولولا مراعاة الفواصل لقدّمت وَالْأُولى كقوله : لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ [ القصص : 70 ] . الثالث : تقديم الفاضل على الأفضل : نحو : بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى [ طه : 7 ] وتقدّم ما فيه . الرابع : تقديم الضمير على ما يفسّره : نحو : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) [ طه : 67 ] . الخامس : تقديم الصفة المجملة على الصفة المفردة : نحو : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [ الإسراء : 13 ] .
--> ( 1 ) انظر مفتاح السعادة ، 2 / 346 - 349 فقد نقلها ملخصة ، والفاصلة للحسناوي ص 53 .